محمد الغزالي

244

فقه السيرة ( الغزالي )

فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 69 ) [ الأنفال ] . في أعقاب بدر : شده العرب قاطبة للنصر الحاسم الذي ناله المسلمون في بدر ، بل إنّ أهل مكة استنكروا الخبر أوّل ما جاءهم ، وحسبوه هذيان مجنون ، فلمّا استبان صدقه صعق نفر منهم ، فهلك لتوّه ، وماج بعضهم في بعض من هول المصاب ، لا يدري ما يفعل . وكما استبعد أهل مكة الهزيمة على أنفسهم حتى جوبهوا بعارها ، استبعد مشركو المدينة ويهودها ما قرع اذانهم من بشريات الفوز ، وذهب بعضهم إلى حد اتهام المسلمين بأن ما يذاع من نصرهم محض اختلاق ، وظلّوا يكابرون حتى رأوا الأسرى مقرّنين في الأصفاد ، فسقط في أيديهم . وقد اختلفت مسالك الأحزاب الكافرة بإزاء المسلمين بعد هذا الغلب الذي مكن للإسلام وأهله ، وجعل سلطانهم مهيبا في المدينة وما حولها ، ومدّ نفوذهم على طريق القوافل في شمال الجزيرة ، فأصبح لا يمرّ بها أحد إلا بإذنهم . فأما أهل مكة فقد انطووا على أنفسهم يداوون جراحهم ، ويستعيدون قواهم ، ويستعدّون لنيل ثأرهم ، ويعلنون أنّ يوم الانتقام قريب ، ولم تزدهم الهزيمة إلا كرها للإسلام ، ونقمة على محمّد صلى اللّه عليه وسلم وصحبه ، واضطهادا لمن يدخل في دينه ، فكان من ينشرح صدره للإسلام يختفي به أو يعيش ذليلا مستضعفا . ذلك في مكة حيث كانت الدولة للكفر . أما في المدينة حيث المسلمون كثرة مكينة ظاهرة ، فقد اتخذت العداوة للإسلام طريقة الدس والنفاق والمخاتلة ، فأسلم فريق من المشركين واليهود ظاهرا ، وقلوبهم تغلي حقدا وكفرا ، وعلى رأس هؤلاء عبد اللّه بن أبيّ . روى أسامة بن زيد قال : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب - كما أمرهم اللّه تعالى - ويصبرون على الأذى : وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ [ البقرة : 109 ] . فكان النبي صلى اللّه عليه وسلم يتأوّل من العفو ما أمره اللّه به ، حتى أذن فيهم بالقتل « 1 » .

--> ( 1 ) حديث صحيح ، رواه ابن أبي حاتم في تفسيره ، وإسناده صحيح كما قال الحافظ ابن كثير في ( التفسير ) : 1 / 153 .